س/ انا فتاة عمري 16سنة من اسرة محافظة وأعيش حياة هنيئة- ولله الحمد- لكنني مررت بظروف نفسية صعبة والمشكلة اني لا اجد من يسمعني وإن وجدت لا أجد من يفهمني، لن أتحدث عما مضى لأنه لم يعد يهمني عندما تتراكم علي المشاكل والصعوبات لا أجد بعد الله من يمسح دمع عيني لأن أمي وأبي موظفين وأنا أقدر ما تبذله أمي من جهود لكنها تظن أن سعادتي بتوفير الأكل والشرب والملابس وغيره لكن ما أحتاجه أبسط بكثير من كل هذا أريد منها الحنان أستطيع ان أشخص حالتي النفسية بالفراغ العاطفي، أريد أن أفضفض لها كما تفعل صديقاتي أريدها أن تكون صديقتي وأختي وأمي لكنها للأسف لا تهتم بهذه الامور فاتجهت إلى صديقاتي لكن الجميع يتهرب ويبسط الامور ويصفني بالمعقدة، كنت أسمع بالإعجاب بين البنات وأستنكر هذا التصرف وأصف من تفعله بالسخيفة لكني عندما وقعت به أصبحت أقدر انه لا يأتي إلا من فراغ عاطفي يجعلني اتعلق بذاك الشخص عوضا عن الذي فقدته وقعت في الكثير من الصدمات النفسية الرهيبة بين الجميع عانيت من حالة نفسية في بداية مراهقتي جعلتني انطوائية أكره الجميع نتج عنه اني تركت المدرسة فمرت السنة الثانية من المتوسطة في البيت وكنت في ذلك الوقت أتمنى الا تخرج الشمس الا وانا مفارقة للحياة فكرت بالانتحار أصبحت حساسة جدا جدا وفي كل هذا الركام لم اجد من يفهمني فاتجهت بي والدتي الى طبيب نفسي رغم رفض أبي للفكرة ثم بعد تناولي لعلاج نفسي كاد ان يخسرني حياتي غضب ابي جدا وهدد ان تعود فكرة زيارة الطبيب مرة اخرى من كل هذا الركام كان العلاج بسيطا وغير مكلف كانت ضمة من امي الى صدرها الحنون هو العلاج الشافي بإذن الله بعد هذه الاحداث عاودت الدراسة مع شدة صعوبة العودة اليها اصبح الآن بحالة نفسية جيدة ولله الحمد اما غضبي من امي لعدم تقربها مني تحول الى استغناء وأصبحت غير متعلقة بها ابدا كما تفعل صديقاتي، وهذه ردة فعل لا أستطيع التحكم به لأني غاضبة في هذه الفترة اواجه صعوبات لكني لا أجد من يسمعني حاولت ان أجد صديقة تفهني لكن لا فائدة فاتجهت الى قريباتي أصبحت أفضفض للجميع ثم أغضب بعدها لماذا فعلت هذا لأني أريد احدا يفضفضي لي كما أفعل حتى تحول هذا الغضب الى صمت، كما أني أواجه غضبا من نفسي فأنا لا أريد ان اكون معجبة بأي فتاة لكني لا أستطيع عندما افكر قبل النوم بأي شيء اجد ان المطاف انتهى بالتفكير بها مع انها لا تعرف لماذا أنظر لها وأهتم بأن اراها كل يوم واريد أن أتحكم بنفسي وألا أتعلق بها فهي في الصف الثالث ثانوي فبعد شهور قليلة ستغادر وأخاف ان اعاني من فراقها فأريد أن أتحكم بنفسي قبل ان تخرج الامور عن السيطرة من كل مما سبق استطيع أن اقول أني فتاة تائهة وترى حبل النجاة فأرجو منك أن تنصحني نصيحة أخ لأخته لأني سأعتبرك اخي الكبير الذي لا أملكه هذه باختصار أهم ما عانيته لأن التفاصيل أطول بكثير أشكر طيبة قلبك التي شجعتني على كتابة هذه الرسالة مع تمنياتي لك بالسعادة بالدنيا والآخرة...
(كاتمة الأحزان)
الرد/
ابنتي العزيزة كاتمة الأحزان خلف هذه السطور أرى شخصية عظيمة وروح محلقة، وأتوقع لك بإذن الله مستقبلا زاهرا إذا نظمت حياتك واستمتعت لنصح من يخاف عليك, سأتحدث معك كحديثي لابنتي التي أريد لها الخير وأتمنى لها حياة سعيدة هانئة حياة حافلة بالعطاءات عامرة بالإنجازات,فخذي من تلك النصائح وفقك الله:
1- ابنتي إن الأشخاص العظماء هم من يروضون الأحداث ويجعلونها تحت تصرفهم، وذلك عن طريق التفاعل الايجابي معها, وإن من أراد أن يحيا حياة كريمة لابد أن تتسع عنده الدوائر وينظر للحياة نظرة شمولية ويدرك أن الحياة أجزاء وليست وحدة واحدة, إن استقامت في جزء لربما عاندت في جزء، وهذا لاشك من أخلاق الأيام وطباعها، لذا أول ما أنصحك به معرفة طبائع الأيام وخلائق البشر فلا تظني أنها ستأتيك بحسب ما تشتهين وتقبل عليك متى أردت!
2- إن من كمال عقل الإنسان وعلو رؤيته هي إحساسه بوجود المشكلة وأعلى من هذا قدرته على تسميتها وتحديدها وهذا ما قرأته في رسالتك حيث قلت: إنني أعاني من( فراغ عاطفي), وهذا الفراغ لربما كنتِ سببا في توسيع دائرته وتضخيم حجمه عندما جعلتيه أهم مافي الحياة!
ولا أتجرأ يا ابنتي على التقليل من قدر العاطفة وأهمية وجود الصدر الحنون والقلوب الكبيرة في حياتنا ولكن المأزق الحقيقي الذي يشوه جمال الحياة وروعتها هو التمحور حول الجانب العاطفي وجعله قيمة عليا أولى في حياتنا والتركيز عليه فقط وتحييد العقل وأن يجعل منه نافذة وحيدة نطل بها على حدائق السعادة وواحات الفرح...
3- أقلي من اللوم على والدتك ويكفي والله وجودها في حياتك كأعظم نعمة تستحق منك شكرها ليل نهار.. اقتربي منها أكثر تفهمي الضغوطات التي تعاني منه وتأكدي أن علاقتك مع والدتك ليست علاقة أقران وأنداد أوعلاقة يحكمه العطاء المتبادل أبدا فهناك فاتورة يلزم عليك سدادها لقاء سنوات عديدة من التضحيات والبذل من قبلها.
4- قسم المفكر الشهير هيرمان البشر إلى عدة أنماط إلى: المنطقي العملي والتحليلي المتأمل وفالمبدع المفكر والعاطفي التعبيري وأنت شخصيتك قد استقرت في المربع الأخير، ويمكن أن تكون شخصية من حولك في إحدى المربعات الأخرى والشخصية الانضج هي التي تتشكل من مزيج من تلك الانماط، فلذا يجب ألاتكثري عتاب من حولك بممارسة التدقيق الزائد عليهم وجميل أن تتعاملي مع كل إنسان وبحسب نمطه فهذا أدعى أن تكوني شخصية ذات حضور قوي ومؤثر...
5- مما علمتني الحياة ابنتي الكريمة أن الأشخاص الذين تغلغلت في عروقهم العاطفة (الزائدة) لايصمدون أمام أعاصير الزمان ولا غاديات الأيام وأربأ بمثلك أن يتسول العاطفة هنا وهناك لأن الحب قد يعبر عنه بأساليب عديدة وصور متنوعة غير الأحضان والكلام..
6- لاحظت ابنتي الكريمة حضور لغة التعميم في رسالتك حيث ألقيت باللوم على الجميع، وأنهم لايسمعون لك! فهل اجتمعوا على الإضرار بك واتفقوا على مقاطعتك! وهذا أمر بعيد وأظنك من الأشخاص كثيري الشكاية ودائمي التذمر وهذا الصنف لا يحظى بترحيب كامل من قبل الآخرين, راجعي نفسك وتثقفي في مجال العلاقات الإنسانية وفنون التعامل.
7- كل ما تحتاجينه أختي في هذه المرحلة هو تبني موقف (فكري إيجابي) تجاه نفسك وتجاه من حولك وتجاه الحياة فالسعادة في الحياة لاتوهب لنا ولا تهدى فهي متاحة لنا دائما وباستمرار فقط عندما نُحسّن من مواقفنا الفكرية من أجمل ما سمعت كلاما للصحفي الأبرز عربيا مصطفى أمين- رحمه الله- يقول فيه: لست أضيق بالحياة حتى وأنا في زنزانتي ولست أملها فأنا أعلم أنها تحبني وأنا كذلك أحبها..أعطتني وأخذت..ولكن أعطتني أضعاف أضعاف ما أخذت..وضعت في بنك الحياة جهدي وعرقي وفكري ودمي فأعطاني البنك أكثر مما تمنيت لذا فأنا لا أسخط على الدنيا فأنا هو الدنيا فكيف أسخط على نفسي!
كلام جميل وإبحار نحو الحقيقة ما أحوجنا جميعا لنتشرب مافيه من معان عميقة ومفاهيم جميلة..
وفقك الله وسدد أمرك وجعلك من الصالحات
..
د/ خالد